فخر الدين الرازي

38

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية ، أو بدلالة خفية ، وإذا كان كذلك لم تكن العمة والخالة خارجة عن المذكورات . الوجه الثالث : في الجواب عن شبهة الخوارج أن نقول : قوله تعالى : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ عام ، وقوله : « لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها » خاص ، والخاص مقدم على العام ، ثم هاهنا طريقان : تارة نقول : هذا الخبر بلغ في الشهرة مبلغ التواتر ، وتخصيص عموم القرآن بخبر المتواتر جائز ، وعندي هذا الوجه كالمكابرة ، لأن هذا الخبر وإن كان في غاية الشهرة في زماننا هذا لكنه لما انتهى في الأصل إلى رواية الآحاد لم يخرج عن أن يكون من باب الآحاد . وتارة نقول : تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد جائز ، وتقريره مذكور في الأصول ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب ، والمعتمد في الجواب عندنا الوجه الأول . الصنف الثاني : من التخصيصات الداخلة في هذا العموم : أن المطلقة ثلاثا لا تحل ، إلا أن هذا التخصيص ثبت بقوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [ البقرة : 230 ] . الصنف الثالث : تحريم نكاح المعتدة ، ودليله قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [ البقرة : 228 ] . الصنف الرابع : من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتزوج بالأمة ، وهذا بالاتفاق . وعند الشافعي : القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة ، ودليل هذا التخصيص قوله : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ النساء : 25 ] وسيأتي بيان دلالة هذه الآية على هذا المطلوب . الصنف الخامس : يحرم عليه التزوج بالخامسة ، ودليله قوله تعالى : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ النساء : 3 ] . الصنف السادس : الملاعنة : ودليله قوله عليه الصلاة والسلام : « المتلاعنان لا يجتمعان أبدا » . قوله تعالى : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ . فيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : أَنْ تَبْتَغُوا في محله قولان : الأول : أنه رفع على البدل من « ما » والتقدير : وأحل لكم ما وراء ذلكم وأحل لكم أن تبتغوا ، على قراءة من قرأ ( وأحل ) بضم الألف . . ومن قرأ بالفتح كان محل « أن تبتغوا » نصبا . الثاني : أن يكون محله على القراءتين النصب بنزع الخافض كأنه قيل : لأن تبتغوا ، والمعنى : وأحل لكم ما وراء ذلكم لا رادة أن تبتغوا بأموالكم وقوله : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ أي في حال كونكم محصنين غير مسافحين ، وقوله : مُحْصِنِينَ أي متعففين عن الزنا ، وقوله : غَيْرَ مُسافِحِينَ أي غير زانين ، وهو تكرير للتأكيد . قال الليث : السفاح والمسافحة الفجور ، وأصله في اللغة من السفح وهو الصب يقال : دموع سوافح ومسفوحة ، قال تعالى : أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [ الانعام : 145 ] وفلان سفاح للدماء أي سفاك ، وسمي الزاني سفاحا لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة . فان قيل : أين مفعول تبتغوا ؟